شرف وعظمة منزلة محمد رسول الله صلى الله عليه
إن شرف و فضل معرفة السيرة النبوية يكمن في شرف وعظمة منزلة محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم، أشرف خلق الله منذ خلق الله عز و جل آدم عليه السلام إلى يوم القيامة، فهو أول من يبعث يوم القيامة و أول من يمر على الصراط وأول من يدخل الجنة، الأمين الصادق المصدوق، صاحب المقام المحمود و الحوض المورود و الوسيلة و الفضيلة، حامل لواء الحمد و الشافع المشفَّع في يوم الحساب، أفضل الأنبياء و خاتمهم، أفضل من كل البشر وأعلى مقاما و مكانة عند الله عز و علا، فَضَّله على الملائكة كلهم حين بلغ سدرة المنتهى فرأى نعيم الجنة، حبيب الله الذي أثنى عليه الرب في القرآن و قال سبحانه و تعالى: [ و إنك لعلى خلق عظيم ] (1).
يخطئ كثير من الباحثين في سيرة الرسول صلى الله عليه و سلم حين يقارنونه بعظماء التاريخ كما فعل مؤلف كتاب: الخالدون مائة وأعظمهم محمد، لا يقارن الرسول صلى الله عليه و سلم بحق إلا بالأنبياء و الملائكة (2). لذلك فالمدخل لفهم سر عظمة منزلة الرسول صلى الله عليه و سلم هو معرفة الفرق بين الأنبياء والبشر، و معرفة الفرق بين محمد رسول الله وسائر الأنبياء صلوات الله و سلامه عليهم جميعا ,
كيف نفقه الفرق بين الأنبياء والبشر وبين محمد رسول الله وسائر الأنبياء ؟ ما كنا نستطيع أن نجيب على هذا السؤال لو لم يخبرنا الرسول صلى الله عليه و سلم بذلك. فالقرآن و السنة مصدرا العلم و الفكر في عقيدة المسلم، لأن فيهما علم الدنيا و اﻵخرة الذي يقود المسلم إلى السعادة الأبدية في اﻵخرة، و لذلك سمي القرآن والسنة بالوحيين.
حدد العلماء الفرق بين الأنبياء والبشر في سبعة خصائص:
1- الوحي.
2- الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء
3- قلوب الأنبياء لا تنام
4- تفرد اجتهاد اﻷنبياء
5- الأنبياء يُدفنون حيث قُبضت أرواحهم
6- تخيير الأنبياء بين الدنيا و اﻵخرة
7- العصمة
أولا: يتميز ألأنبياء بتلقي رسالاتهم من الله عز و جل عن طريق الوحي. فالنبوة منحة إلهية إلزامية غير كسبية و مرتبة فوق مرتبة البشر العاديين، لأنها خارج حدود استطاعتهم و لا يمك 4- إزالة النواة القديمة ن الوصول إليها باجتهاداتهم. و الوحي أمر إلهي محض لا أثر لسعي المرء في كسبه أو دفعه (3)، قال الله عز و جل: [ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ] (4).
ثانيا: الثابت عند أهل العلم أن اﻷرض لا تأكل أجساد اﻷنبياء فقط كما ورد في الحديث أن الرسول صلى الله عليه و سلم قال: ( إن الله عز وجل حرم على اﻷرض أجساد الأنبياء ) (5) أما غيرهم من البشر فالأرض تأكل أجسادهم و لو كانوا شهداء أو أولياء.
ثالثا: جاء في الحديث أن الرسول صلى الله عليه و سلم قال: ( إننا معشر الأنبياء تنام عيوننا ولا تنام قلوبنا ) (6)، و جاء في الحديث أيضا أن الرسول صلى الله عليه و سلم قال: ( يا عائشة إن عيني تنامان و لا ينام قلبي ) (7). إن رؤيا الأنبياء حق - كما قال ابن عباس - فهم يتميزون عن سائر البشر بأن قلوبهم لا تنام و يساوونهم في نوم العيون.
رابعا: اجتهاد اﻷنبياء ليس كاجتهاد البشر، فالبشر قد يصيبون أو يخطئون في اجتهادهم. أما ألأنبياء فالوحي يصحح لهم اجتهادهم في الأمور الشرعية إن أخطؤوا و يسكت عنهم إن كان اجتهادهم صحيحا. قال الله عز و جل: [ فبما رحمة من الله لنت لهم و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم و استغفر لهم و شاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ] (8) هذه اﻵية تدل على أن الرسول صلى الله عليه و سلم كان مأمورا بالاجتهاد، ولكن اجتهاده مستند إلى الوحي اﻹلهي، فهو لا يُقَر على خطأ بل يُصََوَّب على الفور.
خامسا: الأنبياء لا يُدفنون إلا في المكان الذي قُُبضت فيه أرواحهم لما رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن أبا بكر رضي الله عنه قال: ( سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: ما قُبض نبي إلا دُفن حيث قُبض ) (9). ولقد تُوفي رسول الله صلى الله عليه و سلم في حجرة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها و دُفن في حجرتها.
سادسا: اﻷنبياء يُخيرون بين الدنيا و اﻵخرة عند الموت، عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: ( ما من نبي يمرض إلا خُير بين الدنيا و اﻵخرة، و كان في شكواه الذي قُبض فيه أخذته بحة شديدة فسمعته يقول: مع النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين، فعلمت أنه خير ) (10). و عن عبد الله بن سعيد ( خطب النبي صلى الله عليه و سلم فقال: إن الله خَيَّر عبدا بين الدنيا و بين ما عنده، فاختار ما عند الله. فبكى أبو بكر رضي الله عنه، فقلت في نفسي: ما يُبكي هذا الشيخ؟ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا و بين ما عنده، فاختار ما عند الله. فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم هو العبد، و كان أبو بكر أعلمنا...) (11).
سابعا: المتفق عليه في أمة الإسلام على منهج أهل الجماعة و السنة أن الأنبياء صلوات الله و سلامه عليهم معصومون فيما يتعلق بتبليغ الوحي ، فلا يكذبون و لا ينسون و لا يغفلون. و قد دلت الدلائل الشرعية على إثبات ذلك في حق نبينا صلى الله عليه و سلم حيث عصمه من النسيان، قال الله عز و جل: [ سنُقْرِئك فلا تنسى ] (12) و زكَّاه في تبليغ الوحي، قال الله عز و علا: [و ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى ] (13), أما في غير ذلك من أحوالهم فمذهب السلف أن الرسل بشر يصيبهم ما يصيب سائر البشر من العوارض و الأمراض، إلا أنهم معصومون من الكبائر و الصغائر الدنيئة، أما الصغائر غير الدنيئة فيجوز وقوعها من الأنبياء، و حتى إن وقعت فسرعان ما يأتي الوحي مُصَحِّحا و مُصَوِّبا و مثال ذلك قصة عبد الله إبن مكتوم الذي نزل فيه الوحي بقول الله عز و علا: [ عبس و تولى، أن جاءه اﻷعمى ] (14) و هذا عتاب لنبينا صلى الله عليه و سلم حين أعرض عن إبن أم مكتوم الذي أتى النبي مستفتيا و انشغل بدعوة سادة قريش.
كمال محمد صلى الله عليه و سلم
إن حقيقة أفضلية رسول الله صلى الله عليه و سلم ثابتة بدلالة الكتاب و السنة و اﻹجماع، فالأنبياء أفضل سائر الخلق على الإطلاق، ثم إن الأنبياء متفاضلون فيما بينهم و الرسول صلى الله عليه و سلم أفضلهم، قال الله عز وعلا: [ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله و رفع بعضهم درجات ] (15)، يقول ابن كثير: لا خلاف أن الرسول أفضل من بقية الأنبياء (16)، و يقول: السفاريني: الرسول أفضل من النبي لتميزه بالرسالة التي هي أفضل من النبوة (17). فغاية الرسالة هداية الكافرين و إزالة الشرك، أما النبوة فغايتها توجيه المؤمنين و صيانة أحكام الله.
لقد حبا الله سبحانه و تعالى رسوله و عبده محمد صلى الله عليه و سلم بالكمال في صورته الظاهرة و أخلاقه الباطنة و مواهبه و قُدُراته و أرقى كمال له هو تحقيق عبودية الله في نفسه و اﻷدلة على كمال هذه العبودية كثيرة في القرآن نكتفي منها بقول الله عز وجل: [ تبارك الذي نزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ] (18). و بهذه العبودية الكاملة استحق الرسول صلى الله عليه و سلم الأفضلية على سائر الخلق و على كل الأنبياء في الدنيا و اﻵخرة. لِنَتأمل هذه الصورة الرائعة من عبودية سيد الخلق لله صلى الله عليه و سلم في رواية عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت: ( قلت: يا رسول الله، كُلْ - جعلني الله فداك - متكئا، فإنه أهون عليك، فأحنى رأسه حتى كاد أن تصيب جبهته اﻷرض، و قال: بل آكل كما يأكل العبد، و أجلس كما يجلس العبد ) (19).
إذن: ماذا ستفعل يا من رأيت هذا الكمال النبوي؟ أم تراك ما زلت مُصِرا على التمسح بأوثان حضارة مجدت فلسفة المادة و رجالاتها و قالت هؤلاء عظماؤنا نعبدهم لأن التاريخ خلدهم، و قد ضلوا و أضلوا.
إننا نحن أمة اﻹسلام حبانا الله بأعظم نعمة أن جعلنا من أتباع محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم، فقلنا رضينا بالله ربا و باﻹسلام دينا و بمحمد صلى الله عليه و سلم رسولا.
الرسول صلى الله عليه و سلم يناديك لدخول الجنة فمتى تلبي النداء؟:عن أبي هريرة رضي عنه أن رسول الله صلى عليه وسلم قال:( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله و من يأبى، قال: من أطاعني دخل الجنة و من عصاني فقد أبى ) (20). فمن أطاع الرسول صلى الله عليه و سلم دخل الجنة و لو كان عبدا حبشيا، و من عصاه دخل النار و لو كان شريفا قريشيا. فبلال رضي الله عنه كان عبدا يباع و يشترى و دخل الجنة، و أبو لهب كان سيدا من سادة قريش و دخل النار.
الهوامش:
(1) سورة القلم اﻵية 4
(2) موقع فصة اﻹسلام
(3) موقع اﻹسلام
(4) سورة الكهف اﻵية 110
(5) رواه أبو داوود و غيره كما قال الألباني في صحيح سنن أبي داوود 1/196
(6) رواه عطاء و أنس بن مالك و صححه الألباني - الجامع الصحيح 2287
(7) عن عائشة أم المؤمنين - صحيح البخاري 1147
(8) سورة آل عمران اﻵية 159
(9) الكامل في الضعفاء 3/214
(10) رواه البخاري بسنده عن عائشة رضي الله عنها - صحيح البخاري 4254
(11) صحيح البخاري 466
(12) سورة الأعلى اﻵية 6
(13) سورة النجم اﻵية 4
(14) سورة عبس الآية 1-2
(15) سورة البقرة اﻵية 253
(16) تفسير إبن كثير 2/47
(17) لوامع الأنوار البهية 1/50
(18) سورة الفرقان اﻵية 1
(19) رواه البغوي في شرح السنة، و ابن سعد في الطبقات الكبرى، و اﻹمام أحمد في الزهد
(20) صحيح البخاري 6851
إن شرف و فضل معرفة السيرة النبوية يكمن في شرف وعظمة منزلة محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم، أشرف خلق الله منذ خلق الله عز و جل آدم عليه السلام إلى يوم القيامة، فهو أول من يبعث يوم القيامة و أول من يمر على الصراط وأول من يدخل الجنة، الأمين الصادق المصدوق، صاحب المقام المحمود و الحوض المورود و الوسيلة و الفضيلة، حامل لواء الحمد و الشافع المشفَّع في يوم الحساب، أفضل الأنبياء و خاتمهم، أفضل من كل البشر وأعلى مقاما و مكانة عند الله عز و علا، فَضَّله على الملائكة كلهم حين بلغ سدرة المنتهى فرأى نعيم الجنة، حبيب الله الذي أثنى عليه الرب في القرآن و قال سبحانه و تعالى: [ و إنك لعلى خلق عظيم ] (1).
يخطئ كثير من الباحثين في سيرة الرسول صلى الله عليه و سلم حين يقارنونه بعظماء التاريخ كما فعل مؤلف كتاب: الخالدون مائة وأعظمهم محمد، لا يقارن الرسول صلى الله عليه و سلم بحق إلا بالأنبياء و الملائكة (2). لذلك فالمدخل لفهم سر عظمة منزلة الرسول صلى الله عليه و سلم هو معرفة الفرق بين الأنبياء والبشر، و معرفة الفرق بين محمد رسول الله وسائر الأنبياء صلوات الله و سلامه عليهم جميعا ,
كيف نفقه الفرق بين الأنبياء والبشر وبين محمد رسول الله وسائر الأنبياء ؟ ما كنا نستطيع أن نجيب على هذا السؤال لو لم يخبرنا الرسول صلى الله عليه و سلم بذلك. فالقرآن و السنة مصدرا العلم و الفكر في عقيدة المسلم، لأن فيهما علم الدنيا و اﻵخرة الذي يقود المسلم إلى السعادة الأبدية في اﻵخرة، و لذلك سمي القرآن والسنة بالوحيين.
حدد العلماء الفرق بين الأنبياء والبشر في سبعة خصائص:
1- الوحي.
2- الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء
3- قلوب الأنبياء لا تنام
4- تفرد اجتهاد اﻷنبياء
5- الأنبياء يُدفنون حيث قُبضت أرواحهم
6- تخيير الأنبياء بين الدنيا و اﻵخرة
7- العصمة
أولا: يتميز ألأنبياء بتلقي رسالاتهم من الله عز و جل عن طريق الوحي. فالنبوة منحة إلهية إلزامية غير كسبية و مرتبة فوق مرتبة البشر العاديين، لأنها خارج حدود استطاعتهم و لا يمك 4- إزالة النواة القديمة ن الوصول إليها باجتهاداتهم. و الوحي أمر إلهي محض لا أثر لسعي المرء في كسبه أو دفعه (3)، قال الله عز و جل: [ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ] (4).
ثانيا: الثابت عند أهل العلم أن اﻷرض لا تأكل أجساد اﻷنبياء فقط كما ورد في الحديث أن الرسول صلى الله عليه و سلم قال: ( إن الله عز وجل حرم على اﻷرض أجساد الأنبياء ) (5) أما غيرهم من البشر فالأرض تأكل أجسادهم و لو كانوا شهداء أو أولياء.
ثالثا: جاء في الحديث أن الرسول صلى الله عليه و سلم قال: ( إننا معشر الأنبياء تنام عيوننا ولا تنام قلوبنا ) (6)، و جاء في الحديث أيضا أن الرسول صلى الله عليه و سلم قال: ( يا عائشة إن عيني تنامان و لا ينام قلبي ) (7). إن رؤيا الأنبياء حق - كما قال ابن عباس - فهم يتميزون عن سائر البشر بأن قلوبهم لا تنام و يساوونهم في نوم العيون.
رابعا: اجتهاد اﻷنبياء ليس كاجتهاد البشر، فالبشر قد يصيبون أو يخطئون في اجتهادهم. أما ألأنبياء فالوحي يصحح لهم اجتهادهم في الأمور الشرعية إن أخطؤوا و يسكت عنهم إن كان اجتهادهم صحيحا. قال الله عز و جل: [ فبما رحمة من الله لنت لهم و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم و استغفر لهم و شاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ] (8) هذه اﻵية تدل على أن الرسول صلى الله عليه و سلم كان مأمورا بالاجتهاد، ولكن اجتهاده مستند إلى الوحي اﻹلهي، فهو لا يُقَر على خطأ بل يُصََوَّب على الفور.
خامسا: الأنبياء لا يُدفنون إلا في المكان الذي قُُبضت فيه أرواحهم لما رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن أبا بكر رضي الله عنه قال: ( سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: ما قُبض نبي إلا دُفن حيث قُبض ) (9). ولقد تُوفي رسول الله صلى الله عليه و سلم في حجرة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها و دُفن في حجرتها.
سادسا: اﻷنبياء يُخيرون بين الدنيا و اﻵخرة عند الموت، عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: ( ما من نبي يمرض إلا خُير بين الدنيا و اﻵخرة، و كان في شكواه الذي قُبض فيه أخذته بحة شديدة فسمعته يقول: مع النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين، فعلمت أنه خير ) (10). و عن عبد الله بن سعيد ( خطب النبي صلى الله عليه و سلم فقال: إن الله خَيَّر عبدا بين الدنيا و بين ما عنده، فاختار ما عند الله. فبكى أبو بكر رضي الله عنه، فقلت في نفسي: ما يُبكي هذا الشيخ؟ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا و بين ما عنده، فاختار ما عند الله. فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم هو العبد، و كان أبو بكر أعلمنا...) (11).
سابعا: المتفق عليه في أمة الإسلام على منهج أهل الجماعة و السنة أن الأنبياء صلوات الله و سلامه عليهم معصومون فيما يتعلق بتبليغ الوحي ، فلا يكذبون و لا ينسون و لا يغفلون. و قد دلت الدلائل الشرعية على إثبات ذلك في حق نبينا صلى الله عليه و سلم حيث عصمه من النسيان، قال الله عز و جل: [ سنُقْرِئك فلا تنسى ] (12) و زكَّاه في تبليغ الوحي، قال الله عز و علا: [و ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى ] (13), أما في غير ذلك من أحوالهم فمذهب السلف أن الرسل بشر يصيبهم ما يصيب سائر البشر من العوارض و الأمراض، إلا أنهم معصومون من الكبائر و الصغائر الدنيئة، أما الصغائر غير الدنيئة فيجوز وقوعها من الأنبياء، و حتى إن وقعت فسرعان ما يأتي الوحي مُصَحِّحا و مُصَوِّبا و مثال ذلك قصة عبد الله إبن مكتوم الذي نزل فيه الوحي بقول الله عز و علا: [ عبس و تولى، أن جاءه اﻷعمى ] (14) و هذا عتاب لنبينا صلى الله عليه و سلم حين أعرض عن إبن أم مكتوم الذي أتى النبي مستفتيا و انشغل بدعوة سادة قريش.
كمال محمد صلى الله عليه و سلم
إن حقيقة أفضلية رسول الله صلى الله عليه و سلم ثابتة بدلالة الكتاب و السنة و اﻹجماع، فالأنبياء أفضل سائر الخلق على الإطلاق، ثم إن الأنبياء متفاضلون فيما بينهم و الرسول صلى الله عليه و سلم أفضلهم، قال الله عز وعلا: [ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله و رفع بعضهم درجات ] (15)، يقول ابن كثير: لا خلاف أن الرسول أفضل من بقية الأنبياء (16)، و يقول: السفاريني: الرسول أفضل من النبي لتميزه بالرسالة التي هي أفضل من النبوة (17). فغاية الرسالة هداية الكافرين و إزالة الشرك، أما النبوة فغايتها توجيه المؤمنين و صيانة أحكام الله.
لقد حبا الله سبحانه و تعالى رسوله و عبده محمد صلى الله عليه و سلم بالكمال في صورته الظاهرة و أخلاقه الباطنة و مواهبه و قُدُراته و أرقى كمال له هو تحقيق عبودية الله في نفسه و اﻷدلة على كمال هذه العبودية كثيرة في القرآن نكتفي منها بقول الله عز وجل: [ تبارك الذي نزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ] (18). و بهذه العبودية الكاملة استحق الرسول صلى الله عليه و سلم الأفضلية على سائر الخلق و على كل الأنبياء في الدنيا و اﻵخرة. لِنَتأمل هذه الصورة الرائعة من عبودية سيد الخلق لله صلى الله عليه و سلم في رواية عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت: ( قلت: يا رسول الله، كُلْ - جعلني الله فداك - متكئا، فإنه أهون عليك، فأحنى رأسه حتى كاد أن تصيب جبهته اﻷرض، و قال: بل آكل كما يأكل العبد، و أجلس كما يجلس العبد ) (19).
إذن: ماذا ستفعل يا من رأيت هذا الكمال النبوي؟ أم تراك ما زلت مُصِرا على التمسح بأوثان حضارة مجدت فلسفة المادة و رجالاتها و قالت هؤلاء عظماؤنا نعبدهم لأن التاريخ خلدهم، و قد ضلوا و أضلوا.
إننا نحن أمة اﻹسلام حبانا الله بأعظم نعمة أن جعلنا من أتباع محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم، فقلنا رضينا بالله ربا و باﻹسلام دينا و بمحمد صلى الله عليه و سلم رسولا.
الرسول صلى الله عليه و سلم يناديك لدخول الجنة فمتى تلبي النداء؟:عن أبي هريرة رضي عنه أن رسول الله صلى عليه وسلم قال:( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله و من يأبى، قال: من أطاعني دخل الجنة و من عصاني فقد أبى ) (20). فمن أطاع الرسول صلى الله عليه و سلم دخل الجنة و لو كان عبدا حبشيا، و من عصاه دخل النار و لو كان شريفا قريشيا. فبلال رضي الله عنه كان عبدا يباع و يشترى و دخل الجنة، و أبو لهب كان سيدا من سادة قريش و دخل النار.
الهوامش:
(1) سورة القلم اﻵية 4
(2) موقع فصة اﻹسلام
(3) موقع اﻹسلام
(4) سورة الكهف اﻵية 110
(5) رواه أبو داوود و غيره كما قال الألباني في صحيح سنن أبي داوود 1/196
(6) رواه عطاء و أنس بن مالك و صححه الألباني - الجامع الصحيح 2287
(7) عن عائشة أم المؤمنين - صحيح البخاري 1147
(8) سورة آل عمران اﻵية 159
(9) الكامل في الضعفاء 3/214
(10) رواه البخاري بسنده عن عائشة رضي الله عنها - صحيح البخاري 4254
(11) صحيح البخاري 466
(12) سورة الأعلى اﻵية 6
(13) سورة النجم اﻵية 4
(14) سورة عبس الآية 1-2
(15) سورة البقرة اﻵية 253
(16) تفسير إبن كثير 2/47
(17) لوامع الأنوار البهية 1/50
(18) سورة الفرقان اﻵية 1
(19) رواه البغوي في شرح السنة، و ابن سعد في الطبقات الكبرى، و اﻹمام أحمد في الزهد
(20) صحيح البخاري 6851
| قال الحسن البصري: { العلم علمان: علم اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم، و علم في القلب فذاك العلم النافع } |


تعليقات: 0
إرسال تعليق