فتية الكهف و عقيدة التوحيد
في فواتح سورة الكهف تطالعنا قصة أصحاب الكهف - و القصص القرآني ليس نبأ يتلى و لكنه خبر الحق و الصدق، فيه موعظة و عبرة و هدى للمؤمنين -، قصة فتية أنكروا عبادة قومهم للأصنام و الذبح لها من دون الله، فآمنوا بالله الواحد الأحد و اعتزلوا كفرهم و فتنتهم، و فروا بدينهم إلى ربهم و أووا إلى كهف في الصحراء، فربط الله سبحانه و تعالى على قلوبهم و ثبتها على كلمة التوحيد و زادهم إيمانا و هدى، و رزقهم رحمة من عنده و ألهمهم رشدهم، فهيأ لهم الرعاية و السكينة فناموا في الكهف ثلاثمائة و تسع سنين، قال الله عز و علا: { نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم و زدناهم هدى، و ربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات و الأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا، هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لو لا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا، و إذ اعتزلتموهم و ما يعبدون إلا الله فأْووا إلى الكهف ينشرْ لكم ربكم من رحمته و يهيئْ لكم من أمركم مَرفقا }(1).
عن النواس بن سمعان أن الرسول صلى الله عليه و سلم قال: [فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف فإنها جواركم من فتنته (أي الدجال) ](2).
و قال صاحب تدبر سورة الكهف :
" سورة الكهف تضع للمؤمن كهوفا تعصمه من أشد الفتن في حياته، فهي عاصمة من أعظم فتن الدنيا على اﻹطلاق، و من أعظمها فتنة الدجال "
وقال : " الذي لم تفده سورة الكهف نجاة من الفتن في حياته، فحري ألا تعصمه من فتنة الدجال "
و قال: " المحور الموضوعي لسورة الكهف هو: تصحيح العقيدة، و تصحيح منهج النظر و الفكر، و تصحيح القيم بميزان العقيدة "(3).
قامت أبحاث اﻵثار على قدم و ساق لمعرفة أين يقع الكهف و الدليل على عدد فتيته، و قامت الدنيا و قعدت لبلوغ الحقيقة. ما يجدي ذلك و قد أخبر الله سبحانه و تعالى بقصتهم و أودعها في قرآنه آيات بينات تتلى أناء الليل و النهار. المهم ما أثر قصتهم في قلوبنا؟ ما حال عقيدتنا نحن أبناء اﻹسلام الذين ولدنا مسلمين بالوراثة؟ ما حقيقة هذا اﻹرث: إرث التوحيد الذي نحمله في صدورنا؟.
فما هي العقيدة و ما هو التوحيد؟
معنى العقيدة لغة مأخوذة من العقد و الربط، و اصطلاحا فالعقيدة تطلق على أمرين: عام و خاص:
- في الاصطلاح العام: فإن العقيدة هي اﻹيمان الجازم و الحكم القاطع الذي لا يتطرق إليه الشك لدى المعتقِد بصرف النظر حق هو باطل.
- أما في الاصطلاح الخاص: فكلمة عقيدة في كلام العلماء هي اﻹيمان الجازم بالله و توحيده و إفراده بألوهيته و ربويته و توحيده في أسمائه وصفاته و اﻹيمان بملائكته و كتبه و رسله و اليوم اﻵخر و القدر خيره و شره(4).
العقيدة هي التوحيد و هو علم يشرح لنا معنى "ألا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله"، فيشرح لنا التوحيد بأنواعه، و أركان اﻹيمان الستة، و أركان اﻹسلام، و يشرح العبادة الظاهرة و الباطنة و يجعلها مقتصرة على الله سبحانه و تعالى. و هو علم واجب على كل مسلم تعلمه، و من ثماره: أنه من اعظم القربات التي يتقرب بها إلى الله سبحانه و تعالى،و شرف كل علم بمُتَعَلقِه، و علم التوحيد يتعلق بالله جل و علا. و من ثماره: أيضا أنه يجعل القلوب خاضعة لله في رغبها و رهبها، و حينها يمتلئ القلب بالتوحيد فلا يخاف إلا الله عز و جل.
و قد كان الرسول صلى الله عليه و سلم يعلم الصحابة التوحيد و يعلم الصغار أيضا كما جاء في حديث عبدالله ابن عباس، حين قال له الرسول صلى الله عليه و سلم و هو غلام :[يا غلام، إني أعلمك كلمات:احفظِ الله يحفظْك، احفظ الله تجدْه تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، و إذا استعنت فاستعنْ بالله... ](5).
ومن أسماء علم التوحيد السنة ومن أسمائه أيضا الشريعة و من أسمائه كذلك أصول الدين، و هو علم وضعه رب العالمين و رسوله خير المرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ويستمد أصوله من القرآن و السنة، وكل العلماء متفقون على أصول الاعتقاد(6).
حينما زاغ العقل و القلب عن العقيدة الصحيحة
كان الصحابة رضي الله عنهم يتلقون عقيدة التوحيد صافية من الرسول صلى الله عليه و سلم، و كان امتثالهم ﻷحكام القرآن و السنة مثاليا، و ضربوا في توحيدهم و إيمانهم و عبادتهم لله عز و جل أروع اﻷمثلة. لم لا وقد تربوا في كنف الرسول صلى الله عليه و سلم. و لكن بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم - في أوائل القرن الثاني الهجري - ظهرت فرق كثيرة مثل المعتزلة و الجهمية و الخوارج و الزنادقة و المجسمة، تكلمت في أسماء الله و صفاته سبحانه و تعالى عما يقولون، فمهنم من عطلها و منهم من شبهها بالمخلوق.
وسنركز على فرقة المعتزلة - كمثال مهم على ضلال الاعتقاد- ظهر الاعتزال كمذهب أساسه إعمال العقل في النصوص الدينية وذلك بسب التأثر بالفلسفة اليونانية و الهندية و العقائد اليهودية و النصرانية. و المعروف عندهم أنه إذا تعارض العقل مع النقل (أي القرآن و السنة) فيقدمون العقل على النقل، فالقرآن عندهم من جملة الدلائل لكنهم نصبوا العقل على النقل و هذه بليتهم، و كذلك السنة ينكرونها إذا خالفت العقل. فالعقل عندهم هو اﻷصل - في اعتقادهم - ﻷن الدليل النقلي كالقرآن و السنة لا يفيد اليقين أما البراهين العقلية فتفيد اليقين(7).
هل اندثر الفكر الاعتزالي في صفحات التاريخ؟ لا، لقد قامت النخبة المثقفة في العصر الحديث بإحيائه بأسماء جديدة: العقلانية، التنوير، التجديد، التحرر الفكري، التطور، المعاصرة. و قويت هذه النزعة تأثرا بالفكر الغربي العقلاني المادي، و زعموا أن العقل هو الطريق الوحيد للوصول إلى الحقيقة، حتى لو كانت هذه الحقيقة غيبية شرعية، أي أنهم أخضعوا كل عقيدة و كل فكر للعقل البشري القاصر. و تمخضت هذه النزعة عن دعوات إلى تحرير و سفور المرأة و تغيير أحكام تعدد الزوجات و اﻹرث و الطلاق...
يقول الله عز و جل:{إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم و آباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان }(8).
و يقول الله عز و علا: { .. فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم و الله لا يهدي القوم الفاسقين }(9).
العقيدة الصحيحة
العقيدة الصحيحة هي عقيدة أهل السنة و الجماعة على منهج الرسول صلى الله عليه و سلم و ماكان عليه صحابته وضي الله عنهم و السلف الصالح، يؤمنون بالله و ملائكته و رسله و اليوم اﻵخر و القدر خيره و شره، و يؤمنون بربوبية الله تعالى أي بأنه الرب الخالق المالك المدبر لجميع اﻷمور، و يؤمنون بألوهية الله تعالى أي بأنه اﻹله الحق و كل معبود سواه باطل، و يؤمنون بأسمائه و صفاته أي بأن له اﻷسماء الحسنى و الصفات الكاملة العليا، و يؤمنون بوحدانيته في ذلك أي بأنه لا شريك له في ربوبيته و لا في ألوهيته و لا في أسمائه و صفاته، قال الله عز و علا: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة و لا نوم له مافي السموات و اﻷرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم و لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات و اﻷرض و لا يؤوده حفظهما و هو العلي العظيم }(10).
و يؤمنون بأن اﻹيمان قول و عمل: قول باللسان و القلب و عمل بالقلب و الجوارح، و أن اﻹيمان يزيد و ينقص: يزيد بالطاعة و ينقص بالمعصية. و يؤمنون بأن الجنة حق و النار حق و شفاعة الرسول صلى الله عليه و سلم حق، و أن الله عز و علا ختم الرسالات برسالة محمد صلى الله عليه و سلم و أنه أرسله رحمة للعالمين و أن شريعته صلى الله عليه و سلم هي دين اﻹسلام الذي ارتضاه لعباده، قال الله عز و جل: { و من يبتغ غير اﻹسلام دينا فلن يقبل منه و هو في اﻵخرة من الخاسرين }(11).
و يؤمنون بقيمة العقل ﻷنه مناط التكليف، و يؤمنون بالنظر و التفكر في الكون، قال الله عز و جل: { الذين يذكرون الله قياما و قعودا و على جنوبهم و يتفكرون في خلق السموات و اﻷرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار }(12). و لكن للعقل حدود لا يمكنه تجاوزها، فالعقل بدون القرآن و السنة يضل و يشقى، و هناك علوم لا يدركها العقل مثل مسائل الغيب، و ما كان للعقل أن يعرفها لو لا الوحي كالغاية من خَلْق اﻹنسان و مَنْ خَلَقه و الجنة و النار و الملائكة و الروح و أخبار اﻷمم السابقة و علامات الساعة و نهاية العالم.
و ليس في القرآن و السنة و إجماع اﻷمة شيء يخالف العقل الصريح، ﻷن ما خالف العقل الصريح باطل، و ليس في القرآن و السنة و الإجماع باطل، و لكن فيه ألفاظ لا يفهمها بعض الناس أو يفهمون فيها معنى باطلا فاﻵفة منهم لا من الكتاب و السنة(13).
و في الحديث الذي رواه عبدالله بن ثابت اﻷنصاري حينما جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه بجوامع من التوراة كتبها له رجل من بني قريظة و قال للرسول صلى الله عليه و سلم ألا أعرضها عليك فتغير وجه الرسول صلى الله عليه و سلم: [ ... فقال عمر: رضينا بالله ربا و باﻹسلام دينا و بمحمد صلى الله عليه و سلمٌ رسولا قال: فسُرِّي عن رسول صلى الله عليه و سلم قال: و الذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه و تركتموني لضللتم أنتم حظي من اﻷمم و أنا حظكم من النبيِّين ](14).
وقد أجمع علماء اﻷمة على أنه لا تصح شريعة قوم حتى تصح عقيدتهم.
الهوامش
________
(1) سورة الكهف اﻵية 13-14-15-16
(2) اﻷلباني- السلسلة الصحيحة 2/125
(3) تدبر سورة الكهف للشيخ ناصر سليمان العمر- موقع صيدالفوائد
(4) سلسلة العقيدة الصحيحة للشيخ محمد صالح المنجد - الصفحة 1-2
(5) سنن الترمذي- 2516
(6) شرح متن ثلاثة اﻷصول للشيخ راشد الزهراني - دروس مرئية
(7) سلسلة العقيدة الصحيحة للشيخ محمد صالح المنجد - الصفحة 69
(8) سورة النجم اﻵية 23
(9) سورة الصف اﻵية 5
(10) سورة البقرة اﻵية 255
(11) سورة آل عمران اﻵية 85
(12) سورة آل عمران اﻵية 191
(13) سلسلة العقيدة الصحيحة للشيخ محمد صالح المنجد - الصفحة 63-64
(14) الهيثمي - مجمع الزوائد 1/178
في فواتح سورة الكهف تطالعنا قصة أصحاب الكهف - و القصص القرآني ليس نبأ يتلى و لكنه خبر الحق و الصدق، فيه موعظة و عبرة و هدى للمؤمنين -، قصة فتية أنكروا عبادة قومهم للأصنام و الذبح لها من دون الله، فآمنوا بالله الواحد الأحد و اعتزلوا كفرهم و فتنتهم، و فروا بدينهم إلى ربهم و أووا إلى كهف في الصحراء، فربط الله سبحانه و تعالى على قلوبهم و ثبتها على كلمة التوحيد و زادهم إيمانا و هدى، و رزقهم رحمة من عنده و ألهمهم رشدهم، فهيأ لهم الرعاية و السكينة فناموا في الكهف ثلاثمائة و تسع سنين، قال الله عز و علا: { نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم و زدناهم هدى، و ربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات و الأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا، هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لو لا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا، و إذ اعتزلتموهم و ما يعبدون إلا الله فأْووا إلى الكهف ينشرْ لكم ربكم من رحمته و يهيئْ لكم من أمركم مَرفقا }(1).
عن النواس بن سمعان أن الرسول صلى الله عليه و سلم قال: [فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف فإنها جواركم من فتنته (أي الدجال) ](2).
و قال صاحب تدبر سورة الكهف :
" سورة الكهف تضع للمؤمن كهوفا تعصمه من أشد الفتن في حياته، فهي عاصمة من أعظم فتن الدنيا على اﻹطلاق، و من أعظمها فتنة الدجال "
وقال : " الذي لم تفده سورة الكهف نجاة من الفتن في حياته، فحري ألا تعصمه من فتنة الدجال "
و قال: " المحور الموضوعي لسورة الكهف هو: تصحيح العقيدة، و تصحيح منهج النظر و الفكر، و تصحيح القيم بميزان العقيدة "(3).
قامت أبحاث اﻵثار على قدم و ساق لمعرفة أين يقع الكهف و الدليل على عدد فتيته، و قامت الدنيا و قعدت لبلوغ الحقيقة. ما يجدي ذلك و قد أخبر الله سبحانه و تعالى بقصتهم و أودعها في قرآنه آيات بينات تتلى أناء الليل و النهار. المهم ما أثر قصتهم في قلوبنا؟ ما حال عقيدتنا نحن أبناء اﻹسلام الذين ولدنا مسلمين بالوراثة؟ ما حقيقة هذا اﻹرث: إرث التوحيد الذي نحمله في صدورنا؟.
فما هي العقيدة و ما هو التوحيد؟
معنى العقيدة لغة مأخوذة من العقد و الربط، و اصطلاحا فالعقيدة تطلق على أمرين: عام و خاص:
- في الاصطلاح العام: فإن العقيدة هي اﻹيمان الجازم و الحكم القاطع الذي لا يتطرق إليه الشك لدى المعتقِد بصرف النظر حق هو باطل.
- أما في الاصطلاح الخاص: فكلمة عقيدة في كلام العلماء هي اﻹيمان الجازم بالله و توحيده و إفراده بألوهيته و ربويته و توحيده في أسمائه وصفاته و اﻹيمان بملائكته و كتبه و رسله و اليوم اﻵخر و القدر خيره و شره(4).
العقيدة هي التوحيد و هو علم يشرح لنا معنى "ألا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله"، فيشرح لنا التوحيد بأنواعه، و أركان اﻹيمان الستة، و أركان اﻹسلام، و يشرح العبادة الظاهرة و الباطنة و يجعلها مقتصرة على الله سبحانه و تعالى. و هو علم واجب على كل مسلم تعلمه، و من ثماره: أنه من اعظم القربات التي يتقرب بها إلى الله سبحانه و تعالى،و شرف كل علم بمُتَعَلقِه، و علم التوحيد يتعلق بالله جل و علا. و من ثماره: أيضا أنه يجعل القلوب خاضعة لله في رغبها و رهبها، و حينها يمتلئ القلب بالتوحيد فلا يخاف إلا الله عز و جل.
و قد كان الرسول صلى الله عليه و سلم يعلم الصحابة التوحيد و يعلم الصغار أيضا كما جاء في حديث عبدالله ابن عباس، حين قال له الرسول صلى الله عليه و سلم و هو غلام :[يا غلام، إني أعلمك كلمات:احفظِ الله يحفظْك، احفظ الله تجدْه تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، و إذا استعنت فاستعنْ بالله... ](5).
ومن أسماء علم التوحيد السنة ومن أسمائه أيضا الشريعة و من أسمائه كذلك أصول الدين، و هو علم وضعه رب العالمين و رسوله خير المرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ويستمد أصوله من القرآن و السنة، وكل العلماء متفقون على أصول الاعتقاد(6).
حينما زاغ العقل و القلب عن العقيدة الصحيحة
كان الصحابة رضي الله عنهم يتلقون عقيدة التوحيد صافية من الرسول صلى الله عليه و سلم، و كان امتثالهم ﻷحكام القرآن و السنة مثاليا، و ضربوا في توحيدهم و إيمانهم و عبادتهم لله عز و جل أروع اﻷمثلة. لم لا وقد تربوا في كنف الرسول صلى الله عليه و سلم. و لكن بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم - في أوائل القرن الثاني الهجري - ظهرت فرق كثيرة مثل المعتزلة و الجهمية و الخوارج و الزنادقة و المجسمة، تكلمت في أسماء الله و صفاته سبحانه و تعالى عما يقولون، فمهنم من عطلها و منهم من شبهها بالمخلوق.
وسنركز على فرقة المعتزلة - كمثال مهم على ضلال الاعتقاد- ظهر الاعتزال كمذهب أساسه إعمال العقل في النصوص الدينية وذلك بسب التأثر بالفلسفة اليونانية و الهندية و العقائد اليهودية و النصرانية. و المعروف عندهم أنه إذا تعارض العقل مع النقل (أي القرآن و السنة) فيقدمون العقل على النقل، فالقرآن عندهم من جملة الدلائل لكنهم نصبوا العقل على النقل و هذه بليتهم، و كذلك السنة ينكرونها إذا خالفت العقل. فالعقل عندهم هو اﻷصل - في اعتقادهم - ﻷن الدليل النقلي كالقرآن و السنة لا يفيد اليقين أما البراهين العقلية فتفيد اليقين(7).
هل اندثر الفكر الاعتزالي في صفحات التاريخ؟ لا، لقد قامت النخبة المثقفة في العصر الحديث بإحيائه بأسماء جديدة: العقلانية، التنوير، التجديد، التحرر الفكري، التطور، المعاصرة. و قويت هذه النزعة تأثرا بالفكر الغربي العقلاني المادي، و زعموا أن العقل هو الطريق الوحيد للوصول إلى الحقيقة، حتى لو كانت هذه الحقيقة غيبية شرعية، أي أنهم أخضعوا كل عقيدة و كل فكر للعقل البشري القاصر. و تمخضت هذه النزعة عن دعوات إلى تحرير و سفور المرأة و تغيير أحكام تعدد الزوجات و اﻹرث و الطلاق...
يقول الله عز و جل:{إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم و آباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان }(8).
و يقول الله عز و علا: { .. فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم و الله لا يهدي القوم الفاسقين }(9).
العقيدة الصحيحة
العقيدة الصحيحة هي عقيدة أهل السنة و الجماعة على منهج الرسول صلى الله عليه و سلم و ماكان عليه صحابته وضي الله عنهم و السلف الصالح، يؤمنون بالله و ملائكته و رسله و اليوم اﻵخر و القدر خيره و شره، و يؤمنون بربوبية الله تعالى أي بأنه الرب الخالق المالك المدبر لجميع اﻷمور، و يؤمنون بألوهية الله تعالى أي بأنه اﻹله الحق و كل معبود سواه باطل، و يؤمنون بأسمائه و صفاته أي بأن له اﻷسماء الحسنى و الصفات الكاملة العليا، و يؤمنون بوحدانيته في ذلك أي بأنه لا شريك له في ربوبيته و لا في ألوهيته و لا في أسمائه و صفاته، قال الله عز و علا: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة و لا نوم له مافي السموات و اﻷرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم و لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات و اﻷرض و لا يؤوده حفظهما و هو العلي العظيم }(10).
و يؤمنون بأن اﻹيمان قول و عمل: قول باللسان و القلب و عمل بالقلب و الجوارح، و أن اﻹيمان يزيد و ينقص: يزيد بالطاعة و ينقص بالمعصية. و يؤمنون بأن الجنة حق و النار حق و شفاعة الرسول صلى الله عليه و سلم حق، و أن الله عز و علا ختم الرسالات برسالة محمد صلى الله عليه و سلم و أنه أرسله رحمة للعالمين و أن شريعته صلى الله عليه و سلم هي دين اﻹسلام الذي ارتضاه لعباده، قال الله عز و جل: { و من يبتغ غير اﻹسلام دينا فلن يقبل منه و هو في اﻵخرة من الخاسرين }(11).
و يؤمنون بقيمة العقل ﻷنه مناط التكليف، و يؤمنون بالنظر و التفكر في الكون، قال الله عز و جل: { الذين يذكرون الله قياما و قعودا و على جنوبهم و يتفكرون في خلق السموات و اﻷرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار }(12). و لكن للعقل حدود لا يمكنه تجاوزها، فالعقل بدون القرآن و السنة يضل و يشقى، و هناك علوم لا يدركها العقل مثل مسائل الغيب، و ما كان للعقل أن يعرفها لو لا الوحي كالغاية من خَلْق اﻹنسان و مَنْ خَلَقه و الجنة و النار و الملائكة و الروح و أخبار اﻷمم السابقة و علامات الساعة و نهاية العالم.
و ليس في القرآن و السنة و إجماع اﻷمة شيء يخالف العقل الصريح، ﻷن ما خالف العقل الصريح باطل، و ليس في القرآن و السنة و الإجماع باطل، و لكن فيه ألفاظ لا يفهمها بعض الناس أو يفهمون فيها معنى باطلا فاﻵفة منهم لا من الكتاب و السنة(13).
و في الحديث الذي رواه عبدالله بن ثابت اﻷنصاري حينما جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه بجوامع من التوراة كتبها له رجل من بني قريظة و قال للرسول صلى الله عليه و سلم ألا أعرضها عليك فتغير وجه الرسول صلى الله عليه و سلم: [ ... فقال عمر: رضينا بالله ربا و باﻹسلام دينا و بمحمد صلى الله عليه و سلمٌ رسولا قال: فسُرِّي عن رسول صلى الله عليه و سلم قال: و الذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه و تركتموني لضللتم أنتم حظي من اﻷمم و أنا حظكم من النبيِّين ](14).
وقد أجمع علماء اﻷمة على أنه لا تصح شريعة قوم حتى تصح عقيدتهم.
الهوامش
________
(1) سورة الكهف اﻵية 13-14-15-16
(2) اﻷلباني- السلسلة الصحيحة 2/125
(3) تدبر سورة الكهف للشيخ ناصر سليمان العمر- موقع صيدالفوائد
(4) سلسلة العقيدة الصحيحة للشيخ محمد صالح المنجد - الصفحة 1-2
(5) سنن الترمذي- 2516
(6) شرح متن ثلاثة اﻷصول للشيخ راشد الزهراني - دروس مرئية
(7) سلسلة العقيدة الصحيحة للشيخ محمد صالح المنجد - الصفحة 69
(8) سورة النجم اﻵية 23
(9) سورة الصف اﻵية 5
(10) سورة البقرة اﻵية 255
(11) سورة آل عمران اﻵية 85
(12) سورة آل عمران اﻵية 191
(13) سلسلة العقيدة الصحيحة للشيخ محمد صالح المنجد - الصفحة 63-64
(14) الهيثمي - مجمع الزوائد 1/178
| قال الرسول صلى الله عليه و سلم: { من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة } |

تعليقات: 0
إرسال تعليق