قال الرسول صلى الله عليه و سلم: [ ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، و إذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا و هي القلب ] (3) ففي هذا الحديث يتبين أن القلب هوسيد البدن و هو عماد الصلاح و الفساد، و هو آنية التوحيد أو الشرك، و هو الأمير و الجوارح جنود مجندة له.
ماهية القلب
القلب لغة هو وسط الشيء و لبه و القلب هو الفؤاد و أخص منه، القلب المادي في جسد اﻹنسان هو ذلك العضوالصنوبري الذي لا يزيد حجمه على حجم قبضة اليد والذي يضخ الدم إلى سائر خلايا الجسد ليمدها بالغذاء و اﻷوكسجين.
و يرى بعض المفكرين أن القلب المعنوي هو تلك اللطيفة الربانية الروحانية لها تعلق بالقلب العضوي و هي حقيقة اﻹنسان المدرك العالم العارف منه و المخاطب بالتكليف، و المجازى عليه (4). أما شيخ اﻹسلام إبن تيمية فيرى أن القلب هو باطن الشيء مطلقا، فإن قلب الشيء باطنه كقلب الحنطة و اللوزة و الجوزة و تحو ذلك، و منه سمي القلب قليبا ﻷنه أخرج قلبه و هو باطنه (5).
و سمي القلب بهذا اﻹسم لسرعة تقلبه، كما جاء في الحديث الشريف: [ لقلب ابن آدم أشد انقلابا من القدر إذا استجمعت غليانا ] (6). جاء ذكر كلمة القلب في القرآن في 122 آية تؤكد أن اﻹيمان و التقوى و االسكينة و الوجل و غيرها هي صفات قلبية، مما يدل على أن القلب هو محل نظر الرب سبحانه و تعالى . و المتعارف عليه عند عوام الناس أن للإنسان جانبان: جانب عقلي يمثل قوة اﻹرادة و المعرفة، و جانب عاطفي يمثل طاقة اﻷحاسيس و الشهوة، و ساد الاعتقاد أن العقل موجود في الدماغ أما العاطفة فمركزها القلب. و هو تقسيم يجانب الحقيقة التي أثبتها القرآن و السنة.
القلب في القرآن
قال الله سبحاانه و تعالى: { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد } (7)، أي لعبرة " لمن كان له قلب " أي لب يعي به و قال مجاهد: عقل، " أو ألقى السمع و هو شهيد " أي استمع الكلام فوعاه و تعقله و عقله و تفهمه بلبه، و قال مجاهد: " أو ألقى السمع " يعني لا يحدث نفسه بقلب، و قال الضحاك: العرب تقول ألقى فلان سمعه إذا استمع بأذنيه و هو شاهد بقلب غير غائب، و هكذا قال الثوري وغير واحد (8). فهل هذا يعني أن القلب هو العقل و أن العقل هو القلب؟ لابد أن نتذكر أن القرآن يربط مسمى القلب بالصدر أو الفؤاد أو اللب، فالصدر يحتوي القلب و القلب يحتوي الفؤاد و الفؤاد يحتوي اللب. قبل كل شيء لنتعرف على صفات و أحوال القلب.
1- صفات قلب المؤمن
قال الله عز و جل في وصف سكينة قلب المؤمن: { الذين آمنوا و تطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب } (9). فالسكينة من أعظم نعم الله التي يتلذذ بها قلب المؤمن في بحبوحة التوحيد و اﻹيمان وهو يشاهد ببصيرته كمال و جلال و جمال صفات و أسماء الله الحسنى و أفعاله. و لا عجب في قول ابن تيمية في سجنه الذي لا يرى الشمس: " ما يفعل أعدائي بي؟ أنا جنتي و بستاني في صدري...".
وفي ذلك البستان الذي دلتنا إليه اﻵيات البينات في القرآن وجدنا أهم صفات قلب المؤمن تتجلى في اﻹيمان و السكينة أو الطمأنينة و الوجل أو الخوف والتقوى و السمع و اﻹبصار و التعقل و اٌﻹخبات و الطهر و الفقه و الخشوع و الرأفة أو الرحمة و الهدى.
قلب المؤمن في كل اﻷحوال يبتليه الله عز و جل بالخير و الشر، و يمحصه تمحيص الذهب بالنار، و يربط عليه باليقين و الصبر، و يشرحه بالهدى و يزيده هدى.
2- صفات قلب الكافر
قال الله سبحانه و تعالى في وصف قلب الكافر: { أفلم يسيروا في اﻷرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو أذان يسمعون بها فإنها لا تعمى اﻷبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور } (10). قلب الكافر أعمى لا يرى الحق و إن كان بصره سليما أو كما قال ابن كثير في تفسيره: " ليس العمى عمى البصر و إنما العمى عمى البصيرة و إن كانت القوة الباصرة سليمة فإنها لا تنفذ إلى العبر و لا تدري ما الخبر ".
أسوء صفات قلب الكافر بينها القرآن هي الكفر و المرض و القسوة و الريبة و النفاق و الجحود أو اﻹنكار و الغفلة أو اللهو و البكم و الصمم و العمى و الغمرة أو الجهالة و النفور.
قلب الكافر عدو لله عز و جل، يعاقبه الله في الدنيا بالطبع او الختم و اﻹقفال و الرعب و الحسرة و يزيغه و يصرفه عن الهدى.
3- أحوال القلب
قال الرسول صلى الله عليه و سلم: [ مثل القلب كمثل ريشة بأرض فلاة تقلبها الريح ظهرا لبطن ] (11).
يتعرض القلب ﻷحوال و تقلبات كثيرة أهمها: اليقين و نقيضه الشك، الذكر و نقيضه الغفلة، الحب و نقيضه البغض، الرضا و نقيضه السخط، الحياء و نقيضه الفحش، التواضع و نقيضه الكبر، الافتقار و نقيضه الاستغناء، الذل و نقيضه الفخر، الغبطة و نقيضها الحسد، الحزن و نقيضه الفرح، العلم و نقيضه الجهل، النور و نقيضه الظلمات، الكرم و نقيضه البخل، الحكمة و نقيضها الحمق،العفو و نقيضه الانتقام، اﻹكرام و نقيضه اﻹهانة، الشكر و نقيضه النكران ، الحلم و نقيضه الغيظ، التزكية و نقيضها التدسية، الخير و نقيضه الشر، الفضيلة و نقيضها الرذيلة، الطاعة و نقيضها المعصية،اﻹخلاص و نقيضه الرياء، الحق و نقيضه الباطل، الاهتداء و نقيضه الضلال، الاتباع و نقيضه الابتداع، الزهد و نقيضه الشهوة، الرشد و نقيضه الغي، الرقة و نقيضها الفظاظة، اللين و نقيضه الشدة، الصبر و نقيضه الجزع . و لذلك قال الرسول صلى الله عليه و سلم:[ إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء ] ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:[ اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ] (12).
القلب و اﻹعجاز العلمي
إن أغلب العلماء و المفسرين وضعوا لمسات ربانية على الحقيقة التي تقول إن القلب هو العقل. ألحقيقة التي حدثنا عنها القرآن أن القلب هو مركز العاطفة و التفكير و العقل و الذاكرة. و لذلك عندما نقول إن القلب هو الذي يوجه الدماغ في عمله، فهذا الكلام منطقي و لا يوجد ما ينافيه علميا، و اﻷهم من ذلك أنه يتفق مع القرآن (13).
و يسرد المهندس عبد الدائم الكحيل الباحث في اﻹعجاز العلمي قصة نشرتها جريدة ديلي ميل: " قصة مذهلة تؤكد بشكل كبير أن القلب له دور حاسم في اﻹيمان و الكفر و المشاعر و اﻹدراك أيضا. فقد تزوجت أمرأة من شاب و بعد سنوات من زواجه و بسبب إلحاده أراد ان يتخلص من حياته فانتحر بمسدس في رأسه فمات. و لكن قلبه بقي يعمل فقام اﻷطباء باستئصاله و هو بحالة جيدة و تمت زراعته لمريض مؤمن يحب فعل الخير جدا. هذا المريض له فشل في القلب و بحاجة لقلب جديد و تم له ذلك، و فرح و شكر أهل الشاب المنتحر صاحب القلب اﻷصلي و بدأ حياة جديدة.
و جاءت المصادفة ليلتقي بزوجة الشاب المنتحر (أرملته) فأحس على الفور أنه يعرفها منذ زمن، بل لم يخف مشاعره تجاهها، و أخبرها بحبه لها، و أنه لا يستطيع العيش بدونها، و هنا بدأ القلب يمارس نشاطه، فالشيء الذي أحس به هذا الرجل تجاه زوجة صاحب القلب اﻷصلي، يؤكد أن القلب ما زال يحتفظ بمشاعره و أحاسيسه و ذكرياته مع هذه المرأة. و لكن هذا اﻷمر لم يلفت انتباه أحد حتى اﻵن.
إن الزوج الجديد لم يعد مؤمنا كما كان من قبل، بدأت ملامح اﻹلحاد تظهر و لكنه يحاول إخفاءها ما استطاع إلى ذلك سبيلا، و بدأ هذا القلب يعذبه، فلم يعد يحتمل الحياة فانتحر بالطريقة ذاتها التي انتحر بها الشاب صاحب القلب اﻷصلي، و ذلك أنه أطلق رصاصة على رأسه فمات على الفور.
وهذا ما أذهل الناس من حوله، فكيف يمكن لإنسان يحب فعل الخير، كان سعيدا و مسرورا بأنه يساعد الناس و الجميع يحبه، كيف انقلب إلى اليأس و اﻹلحاد و لم يجد أمامه سوى الانتحار، التفسير بسيط جدا، و هو أن مركز التفكير و اﻹدراك في القلب و ليس في الدماغ. و لو كان القلب مجرد مضخة، لم يحدث مع هذا الرجل ما حدث، فقد أحب المرأة ذاتها، و انتحر بالطريقة ذاتها " (14).
علم القلوب
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ العلم علمان: فعلم في القلب، فذلك العلم النافع، و علم على اللسان، فذلك حجة الله على ابن آدم ] (15)، و قال الله عز وجل: { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا و هم عن اﻵخرة هم غافلون } (16). فعلم القلوب (و يطلق عليه أيضا علم السلوك أو علم التزكية) هو العلم النافع في الدنيا و اﻵخرة، الذي بواسطته تتم تزكية القلب و إكسابه اﻷخلاق الفاضلة و الرقي به إلى الله سبحانه و تعالى، فالتزكية هي ثمن جنة الله سبحانه و تعالى.
فلا بد للمؤمن أن يتعلم و يتعرف على أحوال صفات و القلب السليم ليجعلها منارات لسير قلبه إلى الله عز و جل، و يعلم صفات و أحوال القلب المريض ليتجنبها و لا يقع في شرها. فتزكية القلب مطلوبة أكثر من طلب الطعام و الشراب في كل لحظة و حين. و التزكية لا تتم إلا بالتحلية و التخلية، و يقصد بالتخلية تطهير القلب من أمراضه و أخلاقه الرذيلة، و يقصد بالتحلية ملؤ القلب باﻷخلاق الفاضلة و إحلالها محل اﻷخلاق الرذيلة بعد أن خلي منها.
و أفضل من برع في الـتأليف في علم القلوب شيخ اﻹسلام ابن تيمية و تلميذه إبن القيم صاحب كتاب: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد و إياك تستعين، و هو مؤلف موفق كثيرا في تعليم و السير بالعابدين على طريق تزكية القلوب و تعميرها باخلاق اﻹيمان و الابتعاد عن البدع، و التوحيد عند إبن القيم فقه قلبي لا بلاغة لسان (17).
قلب الرسول صلى الله عليه و سلم
قلب الرسول صلى الله عليه و سلم هو أطهر قلب ملئ بالرحمة و الرأفة، فقد تطهر قلبه بأمر الله عز و جل ثلاث مرات:
اﻷولى في طفولته في الرابعة من عمره عند حليمة السعدية لنزع العلقة التي قيل له حينها هذا حظ الشيطان منك، و الحديث ثابت عن أنس بن مالك الذي قال: [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أتاه جبريل عليه السلام و هو يلعب مع الغلامان فأخذه، فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم ﻷَمَهٌ، ثم أعاده إلى مكانه، و جاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعني: ظئره - فقالوا: إن محمدا قد قتل. فاستقبلوه و هو منتقع اللون. قال أنس: و قد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره. ] (18). فنشأ على أكمل اﻷحوال من العصمة من الشيطان.
الثانية عند بعثته ليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوي في أكمل اﻷحوال من التطهير، قال الحافظ في الفتح عند شرحه لحديث باب المعراج من البخاري قال: و ثبت شق الصدر عند البعثة كما أخرجه أبو نعيم في الدلائل.
الثلثة عند اﻹسراء و المعراج ليتأهب للمناجاة، قال الحافظ : و يحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في اﻹسباغ بحصول المرة الثالثة كما تقرر في شرعه صلى الله عليه و سلم (19).
و في بيان حكمة شق صدر الرسول صلى الله عليه و سلم - و هي من اﻷمور الخارقة التي يجب اﻹيمان بها - قال اﻹمام أبو حامد الغزالي:" و شيء نستطيع استنتاجه من هذه اﻵثار أن بشرا ممتازا كمحمد صلى الله عليه و سلم لا تدعه العناية للوساوس الصغيرة التي تناوش غيره من سائر الناس، فإذا كانت للشر موجات تملأ اﻵفاق، و كانت هناك قلوب تسرع إلى التقاطها و التأثر بها، فقلوب التبيين - بتولي الله لها - لا تستقبل هذه التيارات الخبيثة و لا تهتز لها، و بذلك يكون جهد المرسلين في متابعة الترقي، لا في مقاومة التدني، و في تطهير العامة من المنكر لا في التطهر منها، فقد عافاهم الله من لوثاته. " (20).
الخلاصة
القلب هو العقل، هو مركز اﻹيمان و الكفر، و الصلاح و الفساد، و هو أيضا مركز اﻹدراك و التفكير و العاطفة و المشاعر و الذكريات، و هو محل نظر الرب عز وجل [ إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، و لا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم ] (21).
و القلب يتزكى إذا أبصر الحق و يشقى إذا عمي عنه، و لا تكون تزكية القلب إلا بمجاهدة النفس و ملازمة الشكر و الذكر و الصبرعلى الطاعة و الصبرعن المعصية و كثرة الاستغفار مع كمال التوحيد و صدق اﻹخلاص، فلعله بعد ذلك يرقى بتوفيق الله إلى محبتة سبحانه و تعالى.
ــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
(1) سورة محمد اﻵية 19
(2) سورة البقرة اﻵية 2
(3) رواه النعمان بن البشر - ابن تيمية - مجموع الفتاوي الصفحة أو الرقم 13/40
(4) شرح عجائب القلب - كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي
(5) مجموع الفتاوي جزء 9 صفحة 162
(6) رواه أحمد و الحاكم
(7) سورة ق اﻵية 37
(8) تفسير ابن كثير
(9) سورة الرعد اﻵية 28
(10) سورة الحج اﻵية 46
(11) رواه أبو موسى - السنة لإبن أبي عاصم
(12) رواه عبد الله بن عمروبن العاص - صحيح مسلم
(13) أسرار القلب و الروح - موقع الكحيل للإعجاز العلمي
(14) أسرار القلب و الروح - موقع الكحيل للإعجاز العلمي
(15) رواه جابر بن عبدالله - السيوطي - الجامع الصغير - الصفحة أو الرقم 5717
(16) سورة الروم اﻵية 7
(17) تهذيب مدراج السالكين - عبد المنعم صالح العلى العزى- الصفحة 531
(18) البيهقي - دلائل النبوة - الصفحة أو الرقم 1/146
(19) فتح الباري 11/216
(20) إنكار حادثة شق صدر الني في صعره - موقع بيان اﻹسلام
(21) رواه أبو هريرة - اﻷلباني - صحيح الترغيب - الصفحة أو الرقم 15
تذكـــــــــــــــــرة
ماهية القلب
القلب لغة هو وسط الشيء و لبه و القلب هو الفؤاد و أخص منه، القلب المادي في جسد اﻹنسان هو ذلك العضوالصنوبري الذي لا يزيد حجمه على حجم قبضة اليد والذي يضخ الدم إلى سائر خلايا الجسد ليمدها بالغذاء و اﻷوكسجين.
و يرى بعض المفكرين أن القلب المعنوي هو تلك اللطيفة الربانية الروحانية لها تعلق بالقلب العضوي و هي حقيقة اﻹنسان المدرك العالم العارف منه و المخاطب بالتكليف، و المجازى عليه (4). أما شيخ اﻹسلام إبن تيمية فيرى أن القلب هو باطن الشيء مطلقا، فإن قلب الشيء باطنه كقلب الحنطة و اللوزة و الجوزة و تحو ذلك، و منه سمي القلب قليبا ﻷنه أخرج قلبه و هو باطنه (5).
و سمي القلب بهذا اﻹسم لسرعة تقلبه، كما جاء في الحديث الشريف: [ لقلب ابن آدم أشد انقلابا من القدر إذا استجمعت غليانا ] (6). جاء ذكر كلمة القلب في القرآن في 122 آية تؤكد أن اﻹيمان و التقوى و االسكينة و الوجل و غيرها هي صفات قلبية، مما يدل على أن القلب هو محل نظر الرب سبحانه و تعالى . و المتعارف عليه عند عوام الناس أن للإنسان جانبان: جانب عقلي يمثل قوة اﻹرادة و المعرفة، و جانب عاطفي يمثل طاقة اﻷحاسيس و الشهوة، و ساد الاعتقاد أن العقل موجود في الدماغ أما العاطفة فمركزها القلب. و هو تقسيم يجانب الحقيقة التي أثبتها القرآن و السنة.
القلب في القرآن
قال الله سبحاانه و تعالى: { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد } (7)، أي لعبرة " لمن كان له قلب " أي لب يعي به و قال مجاهد: عقل، " أو ألقى السمع و هو شهيد " أي استمع الكلام فوعاه و تعقله و عقله و تفهمه بلبه، و قال مجاهد: " أو ألقى السمع " يعني لا يحدث نفسه بقلب، و قال الضحاك: العرب تقول ألقى فلان سمعه إذا استمع بأذنيه و هو شاهد بقلب غير غائب، و هكذا قال الثوري وغير واحد (8). فهل هذا يعني أن القلب هو العقل و أن العقل هو القلب؟ لابد أن نتذكر أن القرآن يربط مسمى القلب بالصدر أو الفؤاد أو اللب، فالصدر يحتوي القلب و القلب يحتوي الفؤاد و الفؤاد يحتوي اللب. قبل كل شيء لنتعرف على صفات و أحوال القلب.
1- صفات قلب المؤمن
قال الله عز و جل في وصف سكينة قلب المؤمن: { الذين آمنوا و تطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب } (9). فالسكينة من أعظم نعم الله التي يتلذذ بها قلب المؤمن في بحبوحة التوحيد و اﻹيمان وهو يشاهد ببصيرته كمال و جلال و جمال صفات و أسماء الله الحسنى و أفعاله. و لا عجب في قول ابن تيمية في سجنه الذي لا يرى الشمس: " ما يفعل أعدائي بي؟ أنا جنتي و بستاني في صدري...".
وفي ذلك البستان الذي دلتنا إليه اﻵيات البينات في القرآن وجدنا أهم صفات قلب المؤمن تتجلى في اﻹيمان و السكينة أو الطمأنينة و الوجل أو الخوف والتقوى و السمع و اﻹبصار و التعقل و اٌﻹخبات و الطهر و الفقه و الخشوع و الرأفة أو الرحمة و الهدى.
قلب المؤمن في كل اﻷحوال يبتليه الله عز و جل بالخير و الشر، و يمحصه تمحيص الذهب بالنار، و يربط عليه باليقين و الصبر، و يشرحه بالهدى و يزيده هدى.
2- صفات قلب الكافر
قال الله سبحانه و تعالى في وصف قلب الكافر: { أفلم يسيروا في اﻷرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو أذان يسمعون بها فإنها لا تعمى اﻷبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور } (10). قلب الكافر أعمى لا يرى الحق و إن كان بصره سليما أو كما قال ابن كثير في تفسيره: " ليس العمى عمى البصر و إنما العمى عمى البصيرة و إن كانت القوة الباصرة سليمة فإنها لا تنفذ إلى العبر و لا تدري ما الخبر ".
أسوء صفات قلب الكافر بينها القرآن هي الكفر و المرض و القسوة و الريبة و النفاق و الجحود أو اﻹنكار و الغفلة أو اللهو و البكم و الصمم و العمى و الغمرة أو الجهالة و النفور.
قلب الكافر عدو لله عز و جل، يعاقبه الله في الدنيا بالطبع او الختم و اﻹقفال و الرعب و الحسرة و يزيغه و يصرفه عن الهدى.
3- أحوال القلب
قال الرسول صلى الله عليه و سلم: [ مثل القلب كمثل ريشة بأرض فلاة تقلبها الريح ظهرا لبطن ] (11).
يتعرض القلب ﻷحوال و تقلبات كثيرة أهمها: اليقين و نقيضه الشك، الذكر و نقيضه الغفلة، الحب و نقيضه البغض، الرضا و نقيضه السخط، الحياء و نقيضه الفحش، التواضع و نقيضه الكبر، الافتقار و نقيضه الاستغناء، الذل و نقيضه الفخر، الغبطة و نقيضها الحسد، الحزن و نقيضه الفرح، العلم و نقيضه الجهل، النور و نقيضه الظلمات، الكرم و نقيضه البخل، الحكمة و نقيضها الحمق،العفو و نقيضه الانتقام، اﻹكرام و نقيضه اﻹهانة، الشكر و نقيضه النكران ، الحلم و نقيضه الغيظ، التزكية و نقيضها التدسية، الخير و نقيضه الشر، الفضيلة و نقيضها الرذيلة، الطاعة و نقيضها المعصية،اﻹخلاص و نقيضه الرياء، الحق و نقيضه الباطل، الاهتداء و نقيضه الضلال، الاتباع و نقيضه الابتداع، الزهد و نقيضه الشهوة، الرشد و نقيضه الغي، الرقة و نقيضها الفظاظة، اللين و نقيضه الشدة، الصبر و نقيضه الجزع . و لذلك قال الرسول صلى الله عليه و سلم:[ إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء ] ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:[ اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ] (12).
القلب و اﻹعجاز العلمي
إن أغلب العلماء و المفسرين وضعوا لمسات ربانية على الحقيقة التي تقول إن القلب هو العقل. ألحقيقة التي حدثنا عنها القرآن أن القلب هو مركز العاطفة و التفكير و العقل و الذاكرة. و لذلك عندما نقول إن القلب هو الذي يوجه الدماغ في عمله، فهذا الكلام منطقي و لا يوجد ما ينافيه علميا، و اﻷهم من ذلك أنه يتفق مع القرآن (13).
و يسرد المهندس عبد الدائم الكحيل الباحث في اﻹعجاز العلمي قصة نشرتها جريدة ديلي ميل: " قصة مذهلة تؤكد بشكل كبير أن القلب له دور حاسم في اﻹيمان و الكفر و المشاعر و اﻹدراك أيضا. فقد تزوجت أمرأة من شاب و بعد سنوات من زواجه و بسبب إلحاده أراد ان يتخلص من حياته فانتحر بمسدس في رأسه فمات. و لكن قلبه بقي يعمل فقام اﻷطباء باستئصاله و هو بحالة جيدة و تمت زراعته لمريض مؤمن يحب فعل الخير جدا. هذا المريض له فشل في القلب و بحاجة لقلب جديد و تم له ذلك، و فرح و شكر أهل الشاب المنتحر صاحب القلب اﻷصلي و بدأ حياة جديدة.
و جاءت المصادفة ليلتقي بزوجة الشاب المنتحر (أرملته) فأحس على الفور أنه يعرفها منذ زمن، بل لم يخف مشاعره تجاهها، و أخبرها بحبه لها، و أنه لا يستطيع العيش بدونها، و هنا بدأ القلب يمارس نشاطه، فالشيء الذي أحس به هذا الرجل تجاه زوجة صاحب القلب اﻷصلي، يؤكد أن القلب ما زال يحتفظ بمشاعره و أحاسيسه و ذكرياته مع هذه المرأة. و لكن هذا اﻷمر لم يلفت انتباه أحد حتى اﻵن.
إن الزوج الجديد لم يعد مؤمنا كما كان من قبل، بدأت ملامح اﻹلحاد تظهر و لكنه يحاول إخفاءها ما استطاع إلى ذلك سبيلا، و بدأ هذا القلب يعذبه، فلم يعد يحتمل الحياة فانتحر بالطريقة ذاتها التي انتحر بها الشاب صاحب القلب اﻷصلي، و ذلك أنه أطلق رصاصة على رأسه فمات على الفور.
وهذا ما أذهل الناس من حوله، فكيف يمكن لإنسان يحب فعل الخير، كان سعيدا و مسرورا بأنه يساعد الناس و الجميع يحبه، كيف انقلب إلى اليأس و اﻹلحاد و لم يجد أمامه سوى الانتحار، التفسير بسيط جدا، و هو أن مركز التفكير و اﻹدراك في القلب و ليس في الدماغ. و لو كان القلب مجرد مضخة، لم يحدث مع هذا الرجل ما حدث، فقد أحب المرأة ذاتها، و انتحر بالطريقة ذاتها " (14).
علم القلوب
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ العلم علمان: فعلم في القلب، فذلك العلم النافع، و علم على اللسان، فذلك حجة الله على ابن آدم ] (15)، و قال الله عز وجل: { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا و هم عن اﻵخرة هم غافلون } (16). فعلم القلوب (و يطلق عليه أيضا علم السلوك أو علم التزكية) هو العلم النافع في الدنيا و اﻵخرة، الذي بواسطته تتم تزكية القلب و إكسابه اﻷخلاق الفاضلة و الرقي به إلى الله سبحانه و تعالى، فالتزكية هي ثمن جنة الله سبحانه و تعالى.
فلا بد للمؤمن أن يتعلم و يتعرف على أحوال صفات و القلب السليم ليجعلها منارات لسير قلبه إلى الله عز و جل، و يعلم صفات و أحوال القلب المريض ليتجنبها و لا يقع في شرها. فتزكية القلب مطلوبة أكثر من طلب الطعام و الشراب في كل لحظة و حين. و التزكية لا تتم إلا بالتحلية و التخلية، و يقصد بالتخلية تطهير القلب من أمراضه و أخلاقه الرذيلة، و يقصد بالتحلية ملؤ القلب باﻷخلاق الفاضلة و إحلالها محل اﻷخلاق الرذيلة بعد أن خلي منها.
و أفضل من برع في الـتأليف في علم القلوب شيخ اﻹسلام ابن تيمية و تلميذه إبن القيم صاحب كتاب: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد و إياك تستعين، و هو مؤلف موفق كثيرا في تعليم و السير بالعابدين على طريق تزكية القلوب و تعميرها باخلاق اﻹيمان و الابتعاد عن البدع، و التوحيد عند إبن القيم فقه قلبي لا بلاغة لسان (17).
قلب الرسول صلى الله عليه و سلم
قلب الرسول صلى الله عليه و سلم هو أطهر قلب ملئ بالرحمة و الرأفة، فقد تطهر قلبه بأمر الله عز و جل ثلاث مرات:
اﻷولى في طفولته في الرابعة من عمره عند حليمة السعدية لنزع العلقة التي قيل له حينها هذا حظ الشيطان منك، و الحديث ثابت عن أنس بن مالك الذي قال: [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أتاه جبريل عليه السلام و هو يلعب مع الغلامان فأخذه، فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم ﻷَمَهٌ، ثم أعاده إلى مكانه، و جاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعني: ظئره - فقالوا: إن محمدا قد قتل. فاستقبلوه و هو منتقع اللون. قال أنس: و قد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره. ] (18). فنشأ على أكمل اﻷحوال من العصمة من الشيطان.
الثانية عند بعثته ليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوي في أكمل اﻷحوال من التطهير، قال الحافظ في الفتح عند شرحه لحديث باب المعراج من البخاري قال: و ثبت شق الصدر عند البعثة كما أخرجه أبو نعيم في الدلائل.
الثلثة عند اﻹسراء و المعراج ليتأهب للمناجاة، قال الحافظ : و يحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في اﻹسباغ بحصول المرة الثالثة كما تقرر في شرعه صلى الله عليه و سلم (19).
و في بيان حكمة شق صدر الرسول صلى الله عليه و سلم - و هي من اﻷمور الخارقة التي يجب اﻹيمان بها - قال اﻹمام أبو حامد الغزالي:" و شيء نستطيع استنتاجه من هذه اﻵثار أن بشرا ممتازا كمحمد صلى الله عليه و سلم لا تدعه العناية للوساوس الصغيرة التي تناوش غيره من سائر الناس، فإذا كانت للشر موجات تملأ اﻵفاق، و كانت هناك قلوب تسرع إلى التقاطها و التأثر بها، فقلوب التبيين - بتولي الله لها - لا تستقبل هذه التيارات الخبيثة و لا تهتز لها، و بذلك يكون جهد المرسلين في متابعة الترقي، لا في مقاومة التدني، و في تطهير العامة من المنكر لا في التطهر منها، فقد عافاهم الله من لوثاته. " (20).
الخلاصة
القلب هو العقل، هو مركز اﻹيمان و الكفر، و الصلاح و الفساد، و هو أيضا مركز اﻹدراك و التفكير و العاطفة و المشاعر و الذكريات، و هو محل نظر الرب عز وجل [ إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، و لا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم ] (21).
و القلب يتزكى إذا أبصر الحق و يشقى إذا عمي عنه، و لا تكون تزكية القلب إلا بمجاهدة النفس و ملازمة الشكر و الذكر و الصبرعلى الطاعة و الصبرعن المعصية و كثرة الاستغفار مع كمال التوحيد و صدق اﻹخلاص، فلعله بعد ذلك يرقى بتوفيق الله إلى محبتة سبحانه و تعالى.
ــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
(1) سورة محمد اﻵية 19
(2) سورة البقرة اﻵية 2
(3) رواه النعمان بن البشر - ابن تيمية - مجموع الفتاوي الصفحة أو الرقم 13/40
(4) شرح عجائب القلب - كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي
(5) مجموع الفتاوي جزء 9 صفحة 162
(6) رواه أحمد و الحاكم
(7) سورة ق اﻵية 37
(8) تفسير ابن كثير
(9) سورة الرعد اﻵية 28
(10) سورة الحج اﻵية 46
(11) رواه أبو موسى - السنة لإبن أبي عاصم
(12) رواه عبد الله بن عمروبن العاص - صحيح مسلم
(13) أسرار القلب و الروح - موقع الكحيل للإعجاز العلمي
(14) أسرار القلب و الروح - موقع الكحيل للإعجاز العلمي
(15) رواه جابر بن عبدالله - السيوطي - الجامع الصغير - الصفحة أو الرقم 5717
(16) سورة الروم اﻵية 7
(17) تهذيب مدراج السالكين - عبد المنعم صالح العلى العزى- الصفحة 531
(18) البيهقي - دلائل النبوة - الصفحة أو الرقم 1/146
(19) فتح الباري 11/216
(20) إنكار حادثة شق صدر الني في صعره - موقع بيان اﻹسلام
(21) رواه أبو هريرة - اﻷلباني - صحيح الترغيب - الصفحة أو الرقم 15
تذكـــــــــــــــــرة
عن
أبي سعيد الخدري أن الرسول صلى عليه و سلم
قال:
[
القلوبُ
أربعةٌ قلبٌ أجردُ
فيه مثلُ السِّراجِ يُزْهِرُ وقلبٌ أغلفُ
مربوطٌ على غلافِه وقلبٌ مَنكوسٌ وقلبٌ
مصفَّحٌ فأمَّا القلبُ الأجردُ
فقلْبُ المؤمنِ سراجُه فيه نورُه
وأمَّا القلبُ الأغْلَفُ
فقلبُ الكافرِ وأمَّا القلبُ المنكوسُ
فقلبُ المنافقِ الخالصِ عرَف ثم أنكر
وأمَّا القلبُ المصَفَّحُ
فقلبٌ فيه إيمانٌ ونفاقٌ ومَثَلُ الإيمانِ
فيه كمثلِ البَقْلَةِ يمدُّها الماءُ
الطَّيِّبُ ومَثلُ النفاقِ فيه كمثلِ
القُرْحَةِ يمدُّها القَيْحُ والدَّمُ
فأيُّ المادتَينِ غَلبتْ على الأخرى
غَلَبَتْ عليه].
|

تعليقات: 0
إرسال تعليق