القوة من دون إيمان قوة غاشمة

    أيها الإخوة الكرام، أحد أكبر حظوظ الدنيا أن تكون قوياً، والإنسان أحياناً أو في أحيان كثيرة يتمنى أن يكون قوياً، لكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام وصف القوة بعد الإيمان، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)) [أخرجه مسلم وابن ماجة وأحمد]
    القوة من دون إيمان قوة غاشمة، ظالمة، أما الإيمان هو الذي يسير القوة إلى الوجه الصحيح، وإلى الاستخدام الخير.

    أيها الإخوة الكرام، الإنسان في هذه الحياة الدنيا له آمال عريضة، وأهداف كثيرة، ولكن الطريق إلى هذه الآمال، أو إلى تلك الأهداف شائك وطويل، والعقبات متنوعة، والمعوقات كثيرة، والصوارف عديدة، إنسان له أهداف كبيرة وله آمال عريضة، وهناك آلاف المعوقات، وآلاف الصوارف، وآلاف العقبات، ماذا يفعل ؟.. هذه المعوقات بعضها من طبائع الأشياء، وبعضها من سنن الله في خلقه، وبعضها من البشر أنفسهم، فالإنسان في جهاد دائم، وعمل متواصل ليتغلب على هذه المعوقات، وتل العقبات، وليحقق الأهداف والآمال. لذلك وهو في هذه المحنة، وهو في تلك التجربة، يشعر بحاجة ماسة إلى القوة، يشعر بحاجة ماسة إلى قوة تسند ظهره، وتشد أزره وتأخذ بيده، وتذلل له العقبات، وتقهر أمامه الصعوبات، وتنير له الطريق. الإنسان في طبيعته الضعيفة مفتقر إلى قوة تدعمه، إلى قوة تحميه إلى قوة تنصره، إلى قوة تؤيده، إلى قوة تنير له الطريق، إلى قوة يركن إليها، إلى قوة يطمئن لها، إلى قوة يزيل بها مخاوفه، هذه طبيعة الإنسان، قال تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾ [سورة النساء]

    أيها الإخوة الكرام، بين المؤمن وغير المؤمن هذا الفرق الوحيد، المؤمن لا يرى قوياً إلا الله ولا يعتمد إلا عليه، ولا يركن إلا إليه، ولا يلجأ إلا إليه، ولا يثق إلا به، هو القوي، وكل قوة في الأرض مُستمدة من قوة الله عز وجل هذه القوة يجب أن تكون في ظلال العقيدة، وفي رحاب الإيمان بالله..

    الإيمان بالله يمدنا بروح القوة، أو بقوة الروح، فالمؤمن لا يرجو إلا فضل الله، ولا يخشى إلا من عذاب الله، ولا يبال في شيء في جنب الله، إنه قوي ولم يكن بيده وسائل القوة، إنه غني ولا تمتلئ خزائنه بالفضة والذهب، إنه عزيز وإن لم يكن وراءه عشيرة ولا أتباع، راسخ إن اضطربت سفينة الحياة، وأحاط بها الموج من كل مكان.

    ورد في بعض الأحاديث الشريفة أنه ((لو عرفتم الله حق معرفته لزالت بدعائكم الجبال)) إذا كنت مع القوي فأنت قوي، وإذا كنت مع العزيز فأنت عزيز، وإذا كنت مع الغني فأنت غني. هذه القوة في الفرد مصدر قوة الجماعة، وما أسعد المجتمع بالأقوياء الراسخين من أبنائه، وما أشقاه بالضعفاء المهازيل، الذين لا ينصرون صديقاً، ولا يخيفون عدواً، ولا تقوم بهم نهضة، ولا ترتفع بهم راية. قوة المجتمع من قوة أفراده وقوة الفرد من إيمانه، قد تجد إنساناً يملك كل وسائل القوة، وهو خوار جبان، وقد تجد إنساناً لا يملك من وسائل القوة شيء، ولكنه قوي بالله، معتمد عليه، راغب فيما عنده واثق بما في يديه.

    أيها الإخوة الكرام، المؤمن قوي ؛ لأنه يستمد قوته من الله العلي الكبير، الذي يؤمن به ويتوكل عليه ويعتقد أنه معه حيث كان، وأن الله ناصر المؤمنين، وخاذل المبطلين. المؤمن عزيز، لا يذل ؛ لأنه متوكل على الله، والمؤمن حكيم لا يضل ؛ لأنه مسترشد بهدي الله.

    الشيخ محمد راتب النابلسي



    تذكــــــــــــــــــــرة

    وَمِمَّا زَادَنِي شَرَفاً وَفَخْرَاً **  وَكِدْتُ بِأَخْمُصِي أَطَأُ الْثُّرَيَّا

    دُخُوْلِي تَحْتَ قَوْلِكَ:يَا عِبَادِيْ ** وَأَنْ صَيَّرْتَ أحْمَدَ لِي نَبِيَّا
    شارك المقال
    ابو هاجر
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع كن مؤمنا .

    مقالات متعلقة

    إرسال تعليق